الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

83

شرح ديوان ابن الفارض

( ن ) : المعنى أن له سكرة باللّميّ الذي هو كناية عن الكلام الإلهي الذي يقع في قلوب العارفين وسكرة أخرى بالألحاظ التي هي كناية عن حقائق المعلومات الإلهية التي ظهرت آثارها في صور عوالم الإمكان . اه . وأرى من ريحه الرّاح انتشت وله من وله يعنو الأريّ « أرى » من الرؤية بمعنى العلم وريحه بمعنى رائحته ، والضمير أيضا للّميّ . و « الراح » : الخمر . و « انتشت » : أي صارت ذا نشوة . والوله بفتح الواو واللام مصدر وله كورث ، أي تحيّر . و « يعنو » : أي يخضع . و « الأريّ » : بضم الهمزة وفتح الراء وتشديد الياء مصغّر أرى على وزن سمع وهو العسل . الإعراب : أرى : مضارع فاعله ضمير المتكلم . ومن ريحه : متعلق بانتشت . والراح : مفعول أول ، وجملة انتشت ومن ريحه في محل نصب على أنها مفعول ثان لأرى . « وله » : متعلق بيعنو فمحله النصب . و « من وله » : متعلق بيعنو أيضا ، ومن فيه تعليلية . و « يعنو » : مضارع مرفوع بتجرّده . و « الأريّ » : فاعله وتكون الجملة بأسرها عطفا على الجملة السابقة ويمكن أن يقال الأريّ منصوب بالعطف على الرّاح ، وجملة يعنو له من وله معطوف على الجملة الواقعة مفعولا ثانيا ويكون حينئذ فاعل يعنو ضميرا عائدا إلى الأريّ . المعنى : واعلم أن الراح اكتسبت نشوة السّكر من رائحة لميّ الحبيب . وكذا اعلم أن العسل يخضع له من تحيّره في لطافته فيكون لماه حائزا الحلاوة ومالكا لكيفية الشراب بل يكون أرجح منهما في لطافتهما فإنه أفاد السكر للشراب وأكسب العسل حلاوة فهو متحيّر فيه خاضع له بلا ارتياب . وفي البيت جناس شبه الاشتقاق بين ريحه والرّاح ، والجناس الملفّق بين وله ووله ، والجناس بين أرى والأريّ . ( ن ) : يعني أن الخمر المسكر قد سكر من رائحة هذا اللّميّ ولم يشربه كما شربناه نحن فإن التجلّي الإلهي ما تحقّق به إلا الإنسان الكامل ، وأما كلّ ما سواه من بقية العوالم فإنما شمّت رائحته فقط فسكرت فغابت عن الإدراك ومن جملتها الخمر المعروفة ، ومن جملة ذلك الحيوانات التي في صور الإنسان من أهل دير الطغيان فقد سكروا من الرائحة . قال رضي اللّه عنه : هنيئا لأهل الدير كم سكروا بها * وما شربوا منها ولكنهم هموا وهكذا الأريّ أي العسل يخضع لهذا اللّميّ من شدة التحيّر فيه لشمّه رائحته ولا يعلمه لأنه ليس من ذوي العلم . اه .